كان حي عين الرمانة هادئا يوم الاربعاء، ومحلاته مغلقة وشوارعه خالية بعد يوم من اغتيال سياسي معاد لسورية ينتمي لواحدة من اكبر الاسر المسيحية. وتوقف نايف مزرعاني عن غسل سيارته واشار الى شارع مظلل.
وقال هناك بدأت الحرب اللبنانية عام 1975 عندما قتلت المليشيات المسيحية 27 فلسطينيا في حافلة بعد هجوم على كنيسة. وأشار نحو اتجاه اخر. وقال هنا كانت الجبهة، التي بقيت حاجزا ما بين بيروتين ولبنانين.
وقال لم تنته الحرب «لقد بدأت عام 1975 في عين الرمانة، وحتى الان لم تتوقف».
وهذه الايام تشهد بيروت أحداثا درامية ، وتتردد عبارة واحدة، تتنافس مع الحدث: الحرب الاهلية. ولكن في المنطقة التي انطلقت فيها الحرب الاهلية التي استمرت 15 سنة، في اليوم الذي يحتفل فيه باستقلال لبنان، فإن الحديث اصبح مختلفا بعض الشيء وفي بعض الحالات، ينذر بالشؤم.
فهناك احساس بالتشاؤم العميق، الخوف من الطائفية بالإضافة الى الولاء الذي تطلقه، ومعارضة النفوذ الاجنبي والقلق من ان لبنان لن يتمكن من تعدي السياسات التي تؤدي الى ازمات مستمرة.
والاكثر من ذلك، هناك سؤال: هل يمكن للبنان، ان يعم فيه السلام؟
ويقول ايلي غصن وهو صيدلي «نستمر في الاعتقاد بذلك، حتى بالرغم من مولدنا في زمن الحرب».
لقد كانت بيروت مدينة غير مستقرة وهي تستعد لجنازة بيار الجميل امس. وطافت سيارات مجهزة بمكبرات الصوت في الشوارع، تحث اللبنانيين على حضور الجنازة وعرضت الاعلانات التي بثتها محطة التلفزيون الموالية لحلفاء الجميل، نقل المشيعين الذين يرغبون في ذلك من أي مكان من البلاد. وخلال الليل ارتفعت الملصقات التي تحمل صورته: «لن ننسى» وسط ملصقات مماثلة لشخصيات معادية لسورية قتلت منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في شهر فبراير (شباط) عام 2005.
وكما حدث في اغتيال الحريري وغيره، فإن حلفاء الجميل يلومون سورية ـ وهو اتهام نفته رسميا ـ وضغطوا من اجل موافقة حكومية على تشكيل لجنة دولية لمحاكمة المتهمين في مقتل الحريري، وفي عملية تشريعية بيزنطية، تتطلب العقوبات موافقة حلفاء سورية في الحكومة ـ رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، اللذين تبقى نواياهما غامضة. وقد وجد حزب الله، نفسه في موقف دفاعي، ويبدو انه سيؤجل خطته للاحتجاج، بهدف اسقاط حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنييورة. وبثت اذاعة التلفزيون الخاصة بالحزب ان منافسي الجميل من المسيحيين، ربما كانوا وراء القتل.
ولكن مثل هذه التعقيدات ضاعت بالنسبة لسكان ضاحية عين الرمانة من المسيحيين. فقد اطلعوا على الاحداث مثل العديد من البيروتيين: العنف يولد العنف، وفي بلد في حالة توتر، يصبح لكل فعل عواقبه.
وقالت وفاء رزق وهي امرأة في الثانية والخمسين من عمرها تدير محلا للهاتف الجوال «هذا القتل يذكرني بعام 1975. وتذكرني ببداية الحرب الاهلية، نتمنى، بمشيئة الله الا تنطلق مرة اخرى، ولكني غير متأكدة. ربما كانت الشرارة الاولى».
وفي 13 ابريل عام 1975، اطلق مسلحون في سيارة مسرعة النار على كنيسة في عين الرمانة، وقتلوا 4 اشخاص. وبعدها بساعات قتلت المليشيات التابعة لأسرة الجميل عمالا فلسطينيين في سيارة باص تمر عبر الحي.
وتعتبر تلك الاحداث بداية الحرب الاهلية، ولكن مثل هذه البداية المحددة ربما تكون غرورا من المؤرخين. فقد بدأت الحرب من قبل بفترة طويلة، منطلقة من قضايا ايديولوجية وطبقية وصراعات اقليمية وطموحات تتعدى الفكرة التقليدية عن المسيحي ضد المسلم. فبعد واقعة القتل في عين الرمانة، فإن عددا محدودا اعترف بأن الحرب الاهلية كانت سارية، وحتى اليوم، فإن العديد يتراجع عن هذه الفكرة. فالحرب التي انتهت في عام 1990 يطلق عليها «الاحداث».
والماضي لا يزال يتداخل مع الحاضر في عين الرمانة. فالصور المعلقة على الحوائط هي صور بشير الجميل عم بيار، الذي انتخب رئيسا بعد الغزو الاسرائيلي عام 1982 ولكنه اغتيل قبل ان يتبوأ المنصب. وتحت الصورة توجد عبارة «نحن هنا لنبقى».
وتتنافس الصور مع الشعارات البرتقالية للحركة التي يقودها ميشيل عون، وهو جنرال مسيحي سابق كان في موقع القرار في واحدة من اسوأ فترات الحرب الاهلية اللبنانية، والذي ادى تحالفه مع حزب الله الى شق الصف المسيحي.
وفي مدينة يؤدي تنوعها المنفصل الى الاحساس بالخوف من الاماكن المغلقة، ظهرت نقاط التفتيش في عين الرمانة وغيرها من المناطق المسيحية لمنع الثأر. وانطلقت اصوات النشرات الاخبارية من السيارات العابرة، واحدة منها تذيع تعليقات لواحد من حلفاء الجميل وليد جنبلاط «نحن الشرعيون وهم خارج الشرعية».
وتجمع الناس حول اجهزة التلفزيون التي تذيع التعازي في بكفيا. وهناك سار المئات وراء نعش بيار الجميل يرفعون الاعلام البيضاء والخضراء لحزب الكتائب. وعبر الشارع من عين الرمانة، وفي حي الشياح الشيعي حيث يعتبر بيار الجميل شخصية غير محبوبة، كانت الامور تسير على ما يرام ـ حيث كان المرور عاديا، وتجاهل الناس فترة الحداد الرسمية.
وقال يوسف رعد صاحب محل في الثالثة والعشرين من عمره، وهو شيعي يعتبر من الاقليات في عين الرمانة «هذه اسوأ ايام مرت بالبلاد. كل شيء ممكن في بلد منقسم». وعرض رعد النزاعات التي تركت لبنان مقسما الى معسكرين ـ واحد يتجمع حول حزب الله وسورية وايران والثاني حكومة السنيورة المدعومة من الولايات المتحدة وفرنسا. وهذا الانقسام يرجع الى ايام اغتيال الحريري وترك البلاد في نوعية من الحرب الباردة لمدة عامين. وكان رعد متشائما حول المستقبل: المشكلة تتعلق باللبنانيين انفسهم وليس بالاجانب، الذين هم على استعداد للسعي وراء قيادتهم الجماعية. واشار مرة اخرى عبر الشارع، الى موقع الهجوم على سيارة الباص في عام 1975. لقد كان شرارة اشعلت الحرب التي كانت تتبلور. وقال ان «الناس هنا لا تتصرف بحكمة او مسؤولية. وهم لا ينظرون بعيدا بدرجة كافية. فإذا ما قرر واحد من القادة شيئا ما فإنه يتوقع من الناس موافقته. لا يمكنهم الرفض. واذا ما سار ساروا خلفه».
وكانت اتفاقية الطائف لعام 1989 التي ساعدت على انهاء الحرب قد اعتبرت انهاء الطائفية في لبنان اولوية ولكنها لم تحدد تاريخا محددا. وبدلا من ذلك، عدلت الحسابات التي يجري بمقتضاها الحسابات السياسية في لبنان منذ تأسيسها تحت الانتداب الفرنسي وساهمت الوصول الى حرب اهلية في الدرجة الاولى. وفي الاساس، فإن تناقضات النظام تقف في قلب ازمة اليوم: نزاع حول أي من الطوائف وقيادتها ورعاتها سيصعد نجمه، مع عواقب ذلك على الطموحات الاقليمية للولايات المتحدة وايران وسورية واسرائيل.
وقال مزرعاني «لا ادري ما اذا كنت تعرف تاريخ لبنان. ولكن لم توجد لحظة واحدة حكم فيها لبنان نفسه بنفسه. كان هناك دائما من هو مسؤول. اليس ذلك صحيحا؟».
وندب عدم قدرة اللبنانيين على الخروج من ولائهم الطائفي، الذي يوجه الاحباط الاقتصادي، الذي يحدد في عديد من الطرق الحياة اليومية لمدى كبير اكثر من الهوية.
وقال «اتمنى تسفير اللبنانيين الى كندا او اميركا وجعلهم يعيشون هناك لشهرين، ثم نطالبهم بالتفكير بطريقة مختلفة. وعندئذ نعيدهم مرة اخرى، ويمكنهم عندئذ تغيير الوضع على المستوى الاساسي».
وبعد عدة دقائق، عبر عن مخاوف تقليدية. فقد اشار الى حي الشياح وطريق صيدا القديم الذي يعتبر اخر جبهة قتال في الحرب الاهلية والخط الفاصل بين المسيحيين والمسلمين. وقال «هذا المبنى الذي يعلوه الزجاج هناك، هو الحدود». وأضاف «كن حذرا لا تذهب ابعد من ذلك».
* خدمة «واشنطن بوست» (خاص بـ«الشرق الاوسط
